الدكتور سعيد محمد العوادي
محمود شاكر ...المحقق الفنان هكذا وصف الأستاذ العقاد محمود شاكر ...
ولا أحسب الا أن العقاد قد قصد الى هذا الوصف قصدا ..فما العقاد بالذي يلقي الكلام على عواهنه ويطلق القول جزافا ....
لكن ما الذي يعنيه العقاد بالمحقق الفنان ...التحقيق علم له أصوله وقواعده ..والمحققون يتمايزون باتقان هذه الأصول وضبط تلك القواعد ..ولك بعد ان تسمي هذا محققا كبيرا او عالما ..او دون ذلك مما يتراﺀى لك من حذق وضبط فالاستاذ عبدالسلام هارون يطلق عليه شيخ المحققين ولعله قد اكتسب هذه الصفة من اتقانه لعمله تجويدا وفهارس ( البيان والتبيين وشرح الحماسة أنموذجين) ..ومن كثرة تلاميذه الذين أخذوا أصول التحقيق على يديه في الجامعات ...
والسيد أحمد صقر من ملاحظاته النافعة ( تأويل مشكل القرآن ..والصاحبي في فقه اللغة أنموذجين) ..وقبل هذين علامة الهند عبدالعزيز الميمني الراجكوتي ..صاحب مدرسة عليكرة ( علي جار الآن) ..
( سمط اللآلئ ..لأبي عبيد البكري ...وديوان حميد بن ثور ) ...
وان ننس لاننس العلامة محمد محيي الدين عبدالحميد في نشراته الذائعة وتخريجاته المفيدة ( شرح ابن يعيش على المفصل ..و عمدة ابن رشيق ..أدب الكاتب ...مثلا ) ... وهؤلاﺀ جميعا وغيرهم من خلف كرام علماﺀ محققون أثروا المكتبة العربية بذخائر التراث العربي وعرفوا الأجيال المعاصرة بماضي أجدادهم التليد ...
وبقي لشاكر صفة المحقق الفنان وأزعم زعما أن الذي حدا بالعقاد الى إطلاق هذه الصفة على أبي فهر - والعقاد هو القارئ الأكبر الذي لايكاد أحد يصل الى ما قرأه - ما رآه من حسن تأت ولمسات ساحرة على كل ما حقق ..
محمود شاكر انقطع إلى محراب القرآة كثيرا والكتابة قليلا.. و أقول قليلا ..لأن ما خلفه من تراث مكتوب ليس بالتراث الكبير إذا ما قيس بما كتبه غيره ' فان كتبه تعد على الأصابع ..لكنه احتشد لها احتشادا ..اذكر أنه قال في تعليق له إنه يقرأ النص الذي يريد تحقيقه أربع مرات فاذا أتم الرابعة ألفى نفسه تمور مورا إذ بلغت القراﺀة منتهاها وآن له أن يمسك القلم ...
ولك ياعزيزي القارئ أن تقرأ كتابا ليس من كتب شاكر المحققة ولكنه يمثل النمط القرائي العالي لهذا الرجل من حيث شغفه بتتبع التفاصيل والوقوف عند الجمل ثم بحث المقصود منها بحثا مستفيضا بنى عليها آراﺀ هائلة في فضاﺀ المعرفة لك أن تقبلها أو تناقشها ولكنك في الأمرين ستسلم بفضل هذه القراﺀة العنيفة الماتعة ..
قرأ المتنبي صغيرا وحفظ ديوانه وهو في الثانوية ونشر في ذكراه مقالات وهو في الرابعة والعشرين ( جمعت بعذ ذلك في كتاب ( المتنبي) الذي حاز به بعد ذلك بسنوات طويلة على جائزة الملك فيصل العالمية) عدت تلك المقالات فتحا في تذوق الشعر والوصول إلى معارف تأريخية عن نسبه من خلال هذه القراﺀة المتأنية لأبياته ..على نحو فريد غير مألوف في الدراسات الأدبية التي اتجه بعضها الى دراسة نفسية الأديب على نحو مانجده في دراسات العقاد وعلي شلق وأضرابهما ...
وبهذا النمط من القراﺀة أعاد ترتيب قصيدة ( إن بالشعب الذي دون سلع ) لابن أخت تأبط شرا في كتابه ( نمط صعب ونمط مخيف) ..فقرأها قراﺀعروضية ثم حللها وبين الفرق بين الصياغة العربية للنص ..والترجمة والنقل للغة أخرى ( معلقا على ترجمة الشاعر الألماني جوته للنص) وما اكتنف هذه الدراسة من محاورة بينه وبين صديقه الكبير يحيى حقي ...
زد على ذينك الكتابين مقالاته في نقد البناﺀ المعرفي للويس عوض في ما كتبه عن المكونات الثقافية للمعري ..وقد جمعها شاكر في كتاب ( أباطيل وأسمار) ..و بصرف النظر عن النقد العنيف للكتاب ..فان مايغري بقراﺀته هو ذلك النمط العالي. في نقد الروايات ..فهو في كل مايكتب محقق مدقق فاحص يجمع بين المؤتلف والمختلف يشعر معه القارئ بما يكابده هذا العالم الجليل في سبيل الوصول الى المعرفة التي يؤمن بها ...
ويمكن بعد ما فرط من قول أن نلم بشيﺀ من فن التحقيق عند شاكر ..
شاكر في كل مايكتب محقق ..ويستوي في هذا ما يحققه ومايدرسه ...ولأنه يؤمن بالقراﺀة الحصيفة المتأنية للنص ....وقد عرف بها بهذه القراﺀة الفريدة ..فقد آثر أن يكتب على صدر كتبه المحققة ..هذه العبارة ( قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر) إعلاﺀ لشأن القراﺀ وتبيانا لعمله الذوقي في منجزه المعرفي ...
لشاكر مجموعة من الكتب المحققة لعل في مقدمتها مشاركته لأخيه العلامة المحدث أحمد شاكر في تحقيق كتاب (جامع البيان)للطبري ...لكني سأكتفي هنا بذكر أنموذجين تحقيقيين له ..هما ..طبقات فحول الشعراﺀ لابن سلام الجمحي. ودلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني ..والكتابان رأسان في بابهما ..فالأول من أهم مصادر الشعر العربي وأوثقها ...والآخر أهم كتاب في تأريخ البلاغة العربية ..إذ فيه تلتمس نظرية النظم عند عبدالقاهر. شيخ البلاغيين في العربية ...
اشتمل الكتاب على مقدمة تحقيقية طويلة وضع لها عنوانا أسماه ( البرنامج) عالج فيها إشكال العنوان من خلال النقد الذي وجه له في كلمة( فحول) وقد طال الكلام في هذا ...لكن مايدهش القارئ هو القراﺀة العميقة لمصادره ورواياته المختلفة وموارد تلك الروايات ....
ومما يميز تحقيقات شاكر من تحقيقات كثير من أقرانه أنه غير مفرط في مصادر تخريجاته في الهوامش اذ يكتفي بالإشارة في المسألة الى مصدرين او ثلاثة ...لان مايهمه هو تخريج النص المتني على الصورة التي ينبغي أن تكون عليها ....
وأختم هذا الطواف المقتضب بالحديث عن تحقيقه الجميل لدلائل الإعجاز ...الكتاب المذكور حضي بعناية جماعة من المحققين منهم الشيخ محمد عبده ..والدكتور فايز الداية وسوى هذين العلمين ..لكن تظل طبعة أبي فهر مائزة ..تبدأ في القراﺀة فيلقاك دواعي اهتمامه بتحقيق هذا الكتاب ثم دراسته الشائقة لمقصود عبدالقاهر من اشارته الى مفهوم الإعجاز ثم في تتبعه لعبارات أوردها الجرجاني عن أشخاص لم يسمهم والرد عليهم ..فينبري أبوفهر باحثا عن هؤلاﺀ فيقف على تلك الآراﺀ في أحد مجلدات القاضي عبدالجبار المعتزلي ...فالنص بين يدي شاكر ليس نصا ميتا يقلبه كيف يشاﺀ بل نص حي يحاوره ويلاطفه ويسائله فيكشف له عن خفاياه ويبيح له أسراره ...
ذاك هو شاكر المحقق الفنان ..
سعيد العوادي .
الجمعة التاسع عشر من رمضان 1440هـ
محمود شاكر ...المحقق الفنان هكذا وصف الأستاذ العقاد محمود شاكر ...
ولا أحسب الا أن العقاد قد قصد الى هذا الوصف قصدا ..فما العقاد بالذي يلقي الكلام على عواهنه ويطلق القول جزافا ....
لكن ما الذي يعنيه العقاد بالمحقق الفنان ...التحقيق علم له أصوله وقواعده ..والمحققون يتمايزون باتقان هذه الأصول وضبط تلك القواعد ..ولك بعد ان تسمي هذا محققا كبيرا او عالما ..او دون ذلك مما يتراﺀى لك من حذق وضبط فالاستاذ عبدالسلام هارون يطلق عليه شيخ المحققين ولعله قد اكتسب هذه الصفة من اتقانه لعمله تجويدا وفهارس ( البيان والتبيين وشرح الحماسة أنموذجين) ..ومن كثرة تلاميذه الذين أخذوا أصول التحقيق على يديه في الجامعات ...
والسيد أحمد صقر من ملاحظاته النافعة ( تأويل مشكل القرآن ..والصاحبي في فقه اللغة أنموذجين) ..وقبل هذين علامة الهند عبدالعزيز الميمني الراجكوتي ..صاحب مدرسة عليكرة ( علي جار الآن) ..
( سمط اللآلئ ..لأبي عبيد البكري ...وديوان حميد بن ثور ) ...
وان ننس لاننس العلامة محمد محيي الدين عبدالحميد في نشراته الذائعة وتخريجاته المفيدة ( شرح ابن يعيش على المفصل ..و عمدة ابن رشيق ..أدب الكاتب ...مثلا ) ... وهؤلاﺀ جميعا وغيرهم من خلف كرام علماﺀ محققون أثروا المكتبة العربية بذخائر التراث العربي وعرفوا الأجيال المعاصرة بماضي أجدادهم التليد ...
وبقي لشاكر صفة المحقق الفنان وأزعم زعما أن الذي حدا بالعقاد الى إطلاق هذه الصفة على أبي فهر - والعقاد هو القارئ الأكبر الذي لايكاد أحد يصل الى ما قرأه - ما رآه من حسن تأت ولمسات ساحرة على كل ما حقق ..
محمود شاكر انقطع إلى محراب القرآة كثيرا والكتابة قليلا.. و أقول قليلا ..لأن ما خلفه من تراث مكتوب ليس بالتراث الكبير إذا ما قيس بما كتبه غيره ' فان كتبه تعد على الأصابع ..لكنه احتشد لها احتشادا ..اذكر أنه قال في تعليق له إنه يقرأ النص الذي يريد تحقيقه أربع مرات فاذا أتم الرابعة ألفى نفسه تمور مورا إذ بلغت القراﺀة منتهاها وآن له أن يمسك القلم ...
ولك ياعزيزي القارئ أن تقرأ كتابا ليس من كتب شاكر المحققة ولكنه يمثل النمط القرائي العالي لهذا الرجل من حيث شغفه بتتبع التفاصيل والوقوف عند الجمل ثم بحث المقصود منها بحثا مستفيضا بنى عليها آراﺀ هائلة في فضاﺀ المعرفة لك أن تقبلها أو تناقشها ولكنك في الأمرين ستسلم بفضل هذه القراﺀة العنيفة الماتعة ..
قرأ المتنبي صغيرا وحفظ ديوانه وهو في الثانوية ونشر في ذكراه مقالات وهو في الرابعة والعشرين ( جمعت بعذ ذلك في كتاب ( المتنبي) الذي حاز به بعد ذلك بسنوات طويلة على جائزة الملك فيصل العالمية) عدت تلك المقالات فتحا في تذوق الشعر والوصول إلى معارف تأريخية عن نسبه من خلال هذه القراﺀة المتأنية لأبياته ..على نحو فريد غير مألوف في الدراسات الأدبية التي اتجه بعضها الى دراسة نفسية الأديب على نحو مانجده في دراسات العقاد وعلي شلق وأضرابهما ...
وبهذا النمط من القراﺀة أعاد ترتيب قصيدة ( إن بالشعب الذي دون سلع ) لابن أخت تأبط شرا في كتابه ( نمط صعب ونمط مخيف) ..فقرأها قراﺀعروضية ثم حللها وبين الفرق بين الصياغة العربية للنص ..والترجمة والنقل للغة أخرى ( معلقا على ترجمة الشاعر الألماني جوته للنص) وما اكتنف هذه الدراسة من محاورة بينه وبين صديقه الكبير يحيى حقي ...
زد على ذينك الكتابين مقالاته في نقد البناﺀ المعرفي للويس عوض في ما كتبه عن المكونات الثقافية للمعري ..وقد جمعها شاكر في كتاب ( أباطيل وأسمار) ..و بصرف النظر عن النقد العنيف للكتاب ..فان مايغري بقراﺀته هو ذلك النمط العالي. في نقد الروايات ..فهو في كل مايكتب محقق مدقق فاحص يجمع بين المؤتلف والمختلف يشعر معه القارئ بما يكابده هذا العالم الجليل في سبيل الوصول الى المعرفة التي يؤمن بها ...
ويمكن بعد ما فرط من قول أن نلم بشيﺀ من فن التحقيق عند شاكر ..
شاكر في كل مايكتب محقق ..ويستوي في هذا ما يحققه ومايدرسه ...ولأنه يؤمن بالقراﺀة الحصيفة المتأنية للنص ....وقد عرف بها بهذه القراﺀة الفريدة ..فقد آثر أن يكتب على صدر كتبه المحققة ..هذه العبارة ( قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر) إعلاﺀ لشأن القراﺀ وتبيانا لعمله الذوقي في منجزه المعرفي ...
لشاكر مجموعة من الكتب المحققة لعل في مقدمتها مشاركته لأخيه العلامة المحدث أحمد شاكر في تحقيق كتاب (جامع البيان)للطبري ...لكني سأكتفي هنا بذكر أنموذجين تحقيقيين له ..هما ..طبقات فحول الشعراﺀ لابن سلام الجمحي. ودلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجاني ..والكتابان رأسان في بابهما ..فالأول من أهم مصادر الشعر العربي وأوثقها ...والآخر أهم كتاب في تأريخ البلاغة العربية ..إذ فيه تلتمس نظرية النظم عند عبدالقاهر. شيخ البلاغيين في العربية ...
اشتمل الكتاب على مقدمة تحقيقية طويلة وضع لها عنوانا أسماه ( البرنامج) عالج فيها إشكال العنوان من خلال النقد الذي وجه له في كلمة( فحول) وقد طال الكلام في هذا ...لكن مايدهش القارئ هو القراﺀة العميقة لمصادره ورواياته المختلفة وموارد تلك الروايات ....
ومما يميز تحقيقات شاكر من تحقيقات كثير من أقرانه أنه غير مفرط في مصادر تخريجاته في الهوامش اذ يكتفي بالإشارة في المسألة الى مصدرين او ثلاثة ...لان مايهمه هو تخريج النص المتني على الصورة التي ينبغي أن تكون عليها ....
وأختم هذا الطواف المقتضب بالحديث عن تحقيقه الجميل لدلائل الإعجاز ...الكتاب المذكور حضي بعناية جماعة من المحققين منهم الشيخ محمد عبده ..والدكتور فايز الداية وسوى هذين العلمين ..لكن تظل طبعة أبي فهر مائزة ..تبدأ في القراﺀة فيلقاك دواعي اهتمامه بتحقيق هذا الكتاب ثم دراسته الشائقة لمقصود عبدالقاهر من اشارته الى مفهوم الإعجاز ثم في تتبعه لعبارات أوردها الجرجاني عن أشخاص لم يسمهم والرد عليهم ..فينبري أبوفهر باحثا عن هؤلاﺀ فيقف على تلك الآراﺀ في أحد مجلدات القاضي عبدالجبار المعتزلي ...فالنص بين يدي شاكر ليس نصا ميتا يقلبه كيف يشاﺀ بل نص حي يحاوره ويلاطفه ويسائله فيكشف له عن خفاياه ويبيح له أسراره ...
ذاك هو شاكر المحقق الفنان ..
سعيد العوادي .
الجمعة التاسع عشر من رمضان 1440هـ



إرسال تعليق