الليلة الأخيرة في السجن
أخبار حضرموت عاجل - مقال : عمر العمودي - الجمعة 23 أكتوبر 2020
لا أدري كم مدة حكمي لكوني لم أحضر أي جلسة من جلسات محاكمتي، لكنهم أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي في الغد بعد سنة كاملة قضيتها في السجن، وحينها فقط عرفت سبب توقّف التعذيب في الأيام الأخيرة. حدّق بي السجّان طويلاً قبل أن يغلق الباب مندهشاً من عدم رؤيته لأي ردّة فعل منّي، ربما المسكين ظنّ بأنني سأواجه ذلك بحماسة، غير مدرك فداحة ماقام به.
كيف سأخرج؟ لقد مرّت فترة طويلة دون أن أحادث أحداً، ولم أرَ أي شخص ممن أعرفهم، ولا أعلم إذا ماكانوا جميع أفراد أهلي أحياء، وهل حبيبتي مازالت تنتظرني أم أنها قد أدارت ظهرها لإدراكها بأن أهلها لن يقبلوا ارتباطها بسجين سابق. أنا لا أجرؤ على مواجهة الأقدار الباردة التي سيقولها لي أحدهم وهو يبتسم ليخبرني بأن علي أن اتأقلم مع شيء لم أعشه. كما أنني أيضاً لا أعرف ما الصورة التي اتخذها عنّي الجميع بعد سجني، هل أخبروهم بتهمتي، أم توقّعوها؟ وما الجرائم التي ارتبط اسمي بها؟ أم أنهم غير مكترثين بما حدث.. وربما قد قال من في الحي: بأن أولئك الصامتون والهادئون هم أكثر مايجب أن نحذر منهم.
فقدت في السجن العديد من أطباعي، عدا الشكّ حيال كل شيء، وهذا مايؤرقني الآن. ماذا سأقول لهم إذا سألوني؟ هل علي أن أدّعي قيامي بجريمة حميدة وأقنعهم بها، جريمة خالية من القتل والسرقة والاغتصاب؟ ربما استطيع أن أخبرهم بأني تسلّقت ليلاً منزلاً آئلاً للسقوط، تسكن فيه امرأة مسنّة لاتستطيع المشي فقدت ولدها الوحيد في الحرب، بعد أن جلبت لها طعاماً فشكّوا في أمري. ربما سيصدّقونني حين سأذهب بهم بنفسي لأريهم حالة العجوز تلك في ذلك المنزل، إذا لم يسقط عليها بعد. أو سأخبرهم بأنني رأيت شاباً مبتور القدم، يتلوّى ألماً على الشارع، أمام باب عمارة شاهقة لأحد المسؤولين، فنقلته إلى المستشفى بسيارة فارهة أخذتها من جانب تلك العمارة وتركت بها صدمتين وزجاج متناثر. أو ربما سأقول بأنني وجدتُ طفلاً بجانب "سوبر ماركت" يلوّح لي "بقرص الروتي" الذي بيده، فطلب منّي حين أقتربت منه "قطعة جبنة"، لم أجد قيمتها في جيبي، فسرقتها من أجله وظهرتُ في الكاميرا.. لا لا أريد أن أكون لصّاً، لا أريد أن اتقمّص أي جريمة، لا أريد أن أخرج من هنا، ربما لن يصدقوني إذا قلت لهم بأنني سجنت بسبب منشور من سطر واحد، كتبته في فيسبوك منتقداً فيه طرفاً سياسياً قبل عامين.



إرسال تعليق