تقرير : عمّار بن جوهر
كافحت المرأة اليمنية في ميدان العمل، وبذلت وسعها في سبيل تمكينها الاقتصادي كعنصر فاعل في التنمية، ولم تثنيها متغيرات الأحداث وتوالي الأزمات على مختلف جراء الحرب والاقتتال وتباين وجهات نظر صناع القرار، وكذا مرورًا بالأزمات الصحية كجائحة كورونا من الوصول إلى دوائر الاقتصاد وخط اسمها بالبنط العريض في اقتصاديات الأسرة والمجتمع.
التحديات الاجتماعية :
يشكل الوعي العام المجتمعي تبعًا لمجموعة من الشواغل والأطر التنظيمية سياسيًا واجتماعيًا والصراعات الداخلية بين مختلف المدارس الفكرية والمتأثرة بالاستقطاب، وبعضًا من المشكلات الاقتصادية.
تعاني المرأة العاملة في اليمن تعقيدات الاستقلال الاقتصادي وفق شبكة متراتبة من العلاقات الشخصية انطلاقًا من بيت الأب والأم والأخوة والزوج والأبناء وصولًا إلى الجيران والمجتمع المحيط، وهذا يجعل المرأة تعيش وفق نمط خيارات محدودة بسبب التسلط والنفوذ اللامحدود للرجل، إضافة إلى الاستباقات بالاعتقاد والحدس بتعرضها لجملة من الانتهاكات الجسمانية والتحرش في حال كانت عاملة في أي قطاع مما يجعلها عرضة للوصم المجتمعي، وجميع هذه المسببات تجعل من المرأة أداة تماشي ظروفًا متغيرة ومصاعب متعددة وصولًا إلى التمكين الاقتصادي.
الفرص والمفاضلة :
تواجه النساء من العاملات في القطاع المدني الخاص عوائق جمة، أبرزها تلك الفجوة الموجودة بين دعوات التمكين الاقتصادي الأوسع للنساء، وما يتم صياغته ووضعه في الهياكل التنظيمية والأنظمة الرئيسة لمنظمات المجتمع المدني الريعية وغير الربحية وقوانينها من خلال تحييد الفرص والموارد وحكرها على الرجال ومنح النساء منها فقط نسبة قليلة وعدم تطبيق عدالة النوع الاجتماعي في التوظيف ومعدل متوسطات الرواتب والأجور رغم اعتراف قانون العمل رقم ( 5 ) لسنة 1995م المتعلق بقضايا العمل وحق المرأة بالمساواة في الواجبات والأجور والفرص ويحظر التمييز على أساس الجنس، أضف إلى ذلك عدم تأسيس قوانين ملزمة في أذونات وتصريحات العمل التي تلزمها الجهات ذات العلاقة من الدولة حيث أن القانون رقم (1) لسنة 2001م بشأن الجمعيات والاتحادت، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ( 129) لسنة 2004م لم يلزم أي ضمانات تمثيل عادلة للنوع الاجتماعي تحديدًا النساء في فرق عمل قطاعات المجتمع المدني.
هواجس الأمن والحماية :
تعاضد مشكلات كثيرة وآثار الحروب والتدهور الاقتصادي والنزاعات المجتمعية والعقوبات والعنف أدت إلى معاناة النساء العاملات في القطاعات المدنية من مصاعب أمنية وخلل في الحماية الشخصية داخل بيئة العمل وخارجها مما يحد من مشاركتها كحجر زاوية أساسي وفاعل.
تحدثت الرئيس السابق لمنصة شباب وعي التابعة لمؤسسة وعي المختصة بمجالات التنمية السياسية وقضايا النساء أن المرأة اليمنية لم أصل بعد إلى الحد الأدنى من العدالة في التوظيف أسوة بالرجال، وهذا يعود إلى جملة من المسببات يرجع معظمها إلى الفجوة بين الخلفية الاجتماعية التقليدية وكذا السياق المدني الحديث الذي يشجع على أدوار ومشاركة أكبر للنساء في القوى العاملة، رغم وجود النساء المؤهلات اللاتي وصلن بجهودهن الذاتية إلى مكانة علمية ومستوى تأهيل مرموق إلا أن الكثير من القطاعات المدنية تحد من مشاركتهن.
أضافت العمودي أن مشكلات العنف الجسدي والنفسي الذي قد تتعرض له بعض الفتيات سواءً كان بجدلية التحرش الجنسي أو الأذى النفسي من ضغوط العمل قد يكون عائقًا في طريق تمكين عمالة النساء، وقد يكون في حالات أخرى عدم مراعاة أرباب العمل لطبيعة الفوارق الجنسية والاجتماعية للنساء في فترات العمل والولادة والتي تكون مسوغًا بعدم توظيفها بحيث أنها تحتاج إلى فترات إجازة أكثر مما يحتاجها الرجال، برغم أن قانون العمل يضمن لهن هذا الحق، يعزز حديث السيدة غادة العمودي ما جاء في احصاءات منظمة العمل الدولية عبر الإحصاء الذي أجرته في العامين 2013-2014م ولم تشارك فيه سوى ( 6% ) فقط من النساء في القوى العاملة، بينما كانت ( 7% ) فقط من الوظائف تشغلها نساء.
أنموذج حي وناجح:
نهى بن سهيلان نائب مدير المشاريع والبرامج في مؤسسة عدالة للتنمية القانونية تحكي قصتها وتجربتها مع العمل في القطاع المدني وتقول عن بداياتها : " كوني من المغتربين العائدين إلى أرض الوطن من الخليج مؤخرا، وجدت صعوبة في الانخراط مع المجتمع خصوصا وأن نوع الأعمال تختلف في المجتمع الحضرمي عما اعتدت عليه في الخارج، إلا أن هوايتي في الكتابة آتت ثمرها حين فزت بالمركز الاول للقصة القصيرة في جامعة حضرموت فالتقطتها صدفةً مؤسسة عدالة ومن ثم دفعت بي مما جعلني أكثر مثابرة لصقل هذه المهارة التي تحولت فيما بعد لفرص عمل متتالية في مجال كتابة المحتوى، تلتها أعمال أخرى متنوعة المجالات خضتها بدافع التعلم والتجربة ".
الطريق محفوفة بالصعاب :
في المؤسسة التي أعمل بها أجدني محظوظة بطاقم إداري وعملي محفز ونابذ للتفرقة بكل أنواعها فلم أشعر أن هناك عائق ما فقط لكوني فتاة وإنما يتم التعامل معنا وفقا لخبراتنا وكفاءتنا، إلا أن هذا لايعني عدم وجود عقبات خارجية وذاتية كانت عامل ضغط شديد مؤثر على انخراطي في العمل، فمن حيث العقبات الذاتية كان أصعب ماواجهني كمغتربة قضت أغلب عمرها خارج الوطن هو ضعف خلفيتي الثقافية عن المجتمع الحضرمي والتي سعيت جاهدة إلى التغلب عليها بالاندماج مع مختلف شرائح المجتمع والقراءة والسؤال عما أجهله في أحيان كثيرة، أما العقبات الخارجية فإن أشد ماواجهني هو النظرة النمطية السائدة بشدة عن المرأة الحضرمية وأن الأولى بها بقاؤها في المنزل أو انخراطها في أعمال محددة رسمها لها المجتمع سلفًا، ناهيك عن نظرة الاستهانة بآراء النساء ومحاولاتهن وتعييرها بالميل العاطفي في التعاطي مع الأمور واعتبار التعاطي بعاطفة عيبًا أصلًا، كما مررت بعدة صراعات نابعة من أعراف المجتمع و قيود التدين المتشدد إذ أن تدخل الاقرباء والمعارف في رسم حياة الفتاة داخل الأسرة الواحدة وأخذهم دور -الناصح- يعد من أكبر العقبات أمام الفتاة ناهيك عن القراءات الدينية القاصرة أو الخاطئة والتي تنمّط دور المرأة داخل اطار ضيق معروف متجاهلين السعة الإسلامية وأخبار الصحابيات والمسلمات من قبلنا وأدوارهن العظيمة المختلفة والمساهِمة في خطّ مواقف وبناء حضارات خارج النطاق النمطي لها.
هناك مصاعب أخرى لم تواجهني شخصيًا كوني لم أتخرج بعد من كلية القانون، ولكن واجهت زميلاتي في المجال القانوني ولابد من الاشارة لها بدءًا بالنظر إلى صعوبة الحصول على فرص تدريبية لدى المحامين نظرا لشبه الاحتكار الممارس على هذه المهنة بين الرجال وعدم ملائمة البيئة المكتبية للنساء بسبب تحويل كثير من تلك المكاتب لجلسات قات تحل فيها القضايا واعتماد اوقات غير ملائمة وغير ممكنة لحضور المتدربات فيها وتقييد المحاميات بقضايا الأحوال الشخصية والمدنية.
المستقبل ينتظر جهدًا وإلحاح :
تساءلت عن كيف بالإمكان أن تسعى الفتيات إلى الوصول إلى وظائف جيدة في القطاع المدني؟
هنا قالت بطلة قصتنا : بالتعلم والتحفيز الذاتي، هما إشارتان أود أن أشير إليهما، الأولى هو أنه ليس من الصحيح انتظار الفرص والأعمال لننمي حينها مهاراتنا إذ قد يكون ذلك مبررا لفوات الفرصة وعبورها إلى غيرنا نظراً لوجود من هو أكفأ، بل أن علينا السير في عملية التعليم الذاتي وتجاوز الاكتفاء بالمناهج الجامعية او التطوير بعد التخرج حتى إذا مامرت الفرصة من أمامنا كنا أهلًا لها والتقطناها.
الاشارة الثانية أن على الفتاة ألا تعتمد التحفيز الخارجي دائما محركًا لاستمراريتها، أن تؤمن بنفسها وتدفع بها وإن كان المحيط محبط، هذا ليس نصًا ورديًّا يُكتب من برجٍ عاجي، بل هو نِتاج تجارب بسيطة لكنها قد تكون دافعًا لإحداهن ألا تعتمد على تشجيع المحيط وتصفيقه ورضاه فكل ذلك لاجدوى له إن لم ينبع من رضىً داخلي، الدعم الخارجي محفز وجميل لكن على غيابه ألا يثبطك ويعيقك.
وتقول نهى : أن الإنسان يمر بتغيرات كثيرة يكاد يصعب أن يجزم معها حول غاية طموحه وآماله، لذلك قد لايكون من السليم تحديد الغاية القصوى في هذا الوقت المبكر بالنسبة لي، فأنا مازلت في مرحلة سعيٍ وتعلّم حول أجدى الأعمال التي يمكنني تقديمها بشكلٍ مُرْضٍ بالنسبة لي، لكن غاية كل هدف آمل الوصول إليه هو أن يصب في الغاية الكبرى من وجودنا بعد عبادة الله، غاية عمارة الأرض والإحسان.
طرف الخيط يجلب المزيد :
سألت نهى : هل انعكس عملك واعتمادك على نفسك إيجابًا على واقع حياتك، أسرتك؟ وهل أتاح لك آفاق فرص وأعمال أخرى ؟
أجابتني قائلة : " بالطبع، عملي ساعدني في التكفل بمصاريفي الدراسية بشكل كامل مما خفف الحمل عن عائلتي والتي كحال جميع الأسر الحضرمية واقعة تحت ضغط الظروف الاقتصادية الرديئة المُعاشة والمتقلبة في اليمن، وعلى الرغم من الضغوط التي يواجهها طلبة الجامعات الذين يملكون وظائف جزئية او كاملة سواء من حيث عدم تفهم عمادات الجامعات أو من حيث مضاعفة المسؤوليات عليهم إلا أني أجدها فرصة لصقل المهارات و توسيع قدرات التحمل و المرونة و التقبل في وجه الظروف الصعبة مما يدفع بالشباب للصبر على عملية التعلم وكسب المهارات و رفع نباهتهم اتجاه مسؤلياتهم الفردية والمجتمعية وإدراكهم أن كل هذا السعي لابد أن يسخر لخدمة الجموع والفرد على حدٍ سواء، إيمان الشباب بدوره في العمارة والتحسين سيدفع به للاجتهاد في عملية التعلم الذاتي مما قد يوجد لهم فرصا أكبر و أوفر "
" تم نشر هذا التقرير بدعم من JDH/JHR صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا "



إرسال تعليق